محمد متولي الشعراوي

1391

تفسير الشعراوى

لا حجة عندي لأقنعكم بعمل المعاصي ، ولا عندي قوة ترغمكم على الفعل ، لكنكم أنتم كنتم على حرف إتيان المعاصي ودعوتكم فاستجبتم لي . ويضيف الشيطان مخاطبا أتباعه : ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ( من الآية 22 من سورة إبراهيم ) أي أن الشيطان يؤكد أنه لن يفزع لأحد من الذين اتبعوه لينجده ، إن كلمة « يصرخ » تعنى أن هناك من يفزع لأحد تلبية لنداء أو استغاثة . الشيطان إذن لن ينجد أحدا من عذاب اللّه ، ولن ينجد أحد الشيطان من عذاب اللّه ، وهكذا ذهب بعض من أهل الكتاب إلى الغرور في الدين ، فافتروا أقوالا على اللّه ، لم تصدر عنه ، وصدقوا افتراءتهم ، ويا ليت غرورهم لم يكن في الدين ، لأن الغرور في غير الدين تكون المصيبة فيه سهلة ، لكن الغرور في الدين هو المصيبة الكبرى ، لماذا ؟ لأن الغرور في أي أمر يخضع لقانون واضح ، وهو أن ميعاد كل حدث موقوت بماهيته ، لكن الغرور في أمر الدين مختلف ، لماذا ؟ لأن حدث الدين غير موقوت بماهية الزمان ، إنه مستمر ، لأنه منهج قيم صدر من الحق إلى الخلق ، إن الغرور في أي جزئية من جزئيات الدنيا ، فإن فشلت فالفشل يقف عند هذه الجزئية وحدها ، ولا يتعدى الفشل إلى بقية الزمن ، لكن الغرور في الدين يجعل العمر كله يضيع ؛ لأن الإنسان لم يتبع المنهج الحق بل يمتد الضياع والعذاب إلى العمر الثاني وهو الحياة في الآخرة . يقول الحق : وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( من الآية 24 من سورة آل عمران ) والافتراء هو تعمد الكذب ، إن الحق سبحانه يوضح لهم المعنى فيقول : إن حصل ذلك منكم وأعرضتم عن حكم اللّه الذي دعيتم إليه في كتاب اللّه ، وعللتم ذلك بأن النار لن تمسكم إلا أياما معدودة ، وادعيتم كذبا أن الأيام المعدودات هي أيام عبادتكم للعجل ، وادعيتم أنكم أبناء اللّه وأحباؤه ، إن ذلك كله غرور وافتراءات ، ويا ليتهم كانوا يعلمون صدق هذه الافتراءات ، لكنهم هم الذين قالوها ويعرفون أنها كذب ، فإذا جاز ذلك لهم في هذه الدنيا فكيف يكون موقفهم